27 , يونيو 2026

القطيف اليوم

قراءة في رواية "في الهُنا" لطالب الرفاعي 

عند قراءتي للروايات، أكاد أخفي موقفي من الراوي أو المؤلف، لأنّالنقد بطبيعته قد يُربك بعض الكتّاب، بينما يدفع آخرين إلى مزيد من النضج والإبداع. لذلك أحاول أن أترك النص يقودني إليه، لا أن أقوده إلى أحكامي المسبقة. غير أنّ رواية "في الهُنا" للروائي الكويتي طالب الرفاعي فرضت عليّ أن أتوقف طويلًا أمامها؛ لا بوصفها حكاية تُقرأ، بل تجربة تُعاش.


منذ الصفحات الأولى، يتجلى وعي روائي متمكن، يعرف كيف يسيطر على إيقاع السرد، وكيف يمنح اللغة مرونتها دون أن يثقلها بالاستعراض. بدت الرواية كفرس عربية أصيلة، ينساب عدْوها بثقة، فلا تتعثر في تفاصيلها، ولا تفقد وجهتها مهما تشعبت المسارات. إنها كتابة تُشعرك بأنّ كلّ جملة وُضعت في مكانها بعد خبرة طويلة بميزان الكلمة وإيقاعها.

وخلال القراءة، وجدت نفسي أتوقف أكثر من مرة، لا لأنّ النص غامض، بل لأنّ كثافة مشاهده وتعدد صوره يدفعان القارئ إلى العودة، وكأنّالرواية تكافئ القراءة الثانية أكثر مما تمنح القراءة الأولى. كانت بعض المقاطع تستدعي التأمل، وكانت بعض الشخصيات تفتح أبوابًا جديدة للفهم، حتى شعرت أنني أعيد ترتيب قراءتي كلما تقدمت في الأحداث. وهذا، في تقديري، من علامات الرواية التي لا تكتفي بأن تُروى، بل تدعو قارئها إلى المشاركة في بنائها.

ما لفتني هو قدرة طالب الرفاعي على تقمّص شخصياته، ولا سيّما حين يتكئ على ضمير المتكلم. لا تبدو الأصوات متشابهة، بل لكلّ شخصية نبضها الداخلي، ولغتها الخاصة، وقلقها الذي يميزها. هنا لا يصف الكاتب المشاعر من الخارج، وإنما يجعل القارئ يعيشها من الداخل؛فتبدو الشخصيات كائنات حية تحمل أعباءها النفسية والاجتماعية والثقافية دون افتعال أو مبالغة.

نجح في تقديم رواية واقعية تستند إلى تفاصيل الحياة اليومية، وإلى حقائق المجتمع كما هي، بعيدًا عن الزخرفة اللغوية أو الرمزية التي قد تحجب حرارة التجربة. لقد آثر الصدق على الإدهاش المصطنع، فكان تأثير الرواية أعمق، لأنّ الواقع حين يُكتب بإخلاص يصبح أكثر إدهاشًا من الخيال نفسه.

من أجمل اللمسات التي منحت الرواية خصوصيتها، ذلك الحضور الذكي للتراث الكويتي، حين تتسلل الأغنية الكلاسيكية "قومي وارفعي البوشية" بصوت الفنان محمد الكويتي إلى نسيج السرد. لم تكن الأغنية مجرد استدعاء للماضي، بل أصبحت جزءًا من روح الرواية، تضيف إليها إيقاعًا وجدانيًا يربط الشخصيات بذاكرة المكان، ويؤكد أن طالب الرفاعي لا يستحضر التراث للحنين فحسب، بل ليجعله عنصرًا فاعلًا في تشكيل الحكاية.

في قلب الرواية تتألق علاقة كوثر ومشاري؛ قصة حب لا تواجه اختلاف الطباع بقدر ما تواجه أسوار الطائفية والمذهبية. لم يُقدِّم الكاتب هذا الصراع بشعارات مباشرة، وإنما ترك الشخصيات تكشف هشاشة تلك الحواجز أمام صدق العاطفة. بدا ذلك الجدار أشبه بجدار برلين؛ قائمًا في الظاهر، لكنه يحمل في داخله بذور انهياره.

حتى الأب الذي يبدو ليبراليًا، والأم التي تختصر رفضها بعبارتها المؤلمة"خلّصوا رجال الكويت؟"، لم يكونا مجرد شخصيتين معارضتين، بل تجسيدًا للتناقض الذي يعيشه المجتمع بين ما يعلنه من قيم وما يمارسه من مواقف. ومن خلال هذا التوتر، ظلّ حب كوثر ومشاري نابضًا طوال سنوات الرواية، يقاوم الخوف والعائلة والاصطفافات الاجتماعية، ليؤكد أنّ الحب الحقيقي لا ينتصر بالصخب، بل بالصبر والوفاء.

"في الهُنا" ليست رواية حب فحسب، بل رواية عن الإنسان حين يحاول أن يحمي قلبه من الحدود التي يصنعها الآخرون. شهادة أدبية على قدرة السرد الصادق على ملامسة الوجدان، وأن يترك في القارئ أثرًا يبقى بعد إغلاق الصفحة الأخيرة. رواية تؤكد أنّ طالب الرفاعي يكتب بروح الحكّاء الذي يعرف أن أجمل الحكايات هي تلك التي تشبه الحياة، لأنها لا تنتهي بانتهاء الرواية، بل تستمر في ذاكرة قارئها.




error: المحتوي محمي